 القواعد الفقهية
مفهومها- نشأتها- تطورها- مؤلفاتها
مقدمة:
إن تدوين الأحكام الشرعية بالطريقة الفروعية على حسب الواقعات هو البداية الطبيعية لكل نظام مكتوب في أول نشوئه.
وهكذا بدأ تدوين الأحكام في الفقه الإسلامي بحسب الوقائع، ودوّن علماء الشريعة الأولون ما ترامى إليهم من الوقائع، مما قضى به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو استنباطاً من نصوص الكتاب والسنة ودلالاتها، وما عرفوه من مقاصد الشريعة، وعلل أحكامها، ومنطق العدل فيها.
وإذا كان لكل حكم علة بُني عليها، فقد كان كثير من الأحكام وإن اختلفت أبوابها التي ترجع إليها، إلا أنها تجتمع معاً تحت علة واحدة تحكم فيها. وبعدها كان لا بد بعد التدوين الأولي للمسائل والأحكام أن يقوم في وقت لاحق تجميعٌ لتلك العلل الجامعة، حيث يبرز بها ويتجلى المنطق في اشتراك المسائل من أنواع وأبواب شتى في حكم من الأحكام.
إن هذه الفكرة الجامعة التي تبدو للفقيه رباطاً مشتركاً بين كل هذه المسائل، تمخضت عن صيغة قاعدية أصبحت حاكمة فيما لا يحصى من المسائل والوقائع، وركيزة ثابتة في القضاء والحكم،
هذه الصيغة القاعدية عُرفت بعد ذلك (بالقاعدة الفقهية).
أولاً_ التعريف:
القاعدة في اللغة: الأساس، وتُجمع على قواعد، وهي أسس الشىء وأصوله، حسياً كان ذلك الشيء أو معنوياً.
أما في الاصطلاح: فتعريفها يختلف حسب العلم المضاف إليها، فهي عند المناطقة غيرها عند الفقهاء،وكذلك تختلف عما هي عند الأصوليين.
فهي في اصطلاح أهل المنطق:(قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها) الجرجاني في التعريفات- باب القاف،
وأيضاً (قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها) أبو البقاء الكفوي في الكليات- حرف القاف،ويعرفها التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون بأنها(أمر كلي منطبق على جميع جزئياته عند تعرف أحكامها منه).
وهي عند الأصوليين:(قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها) فهذا التعريف هو نفسه تعريف المناطقة، إلا أنهم ميزوه بأن موضوع القاعدة الأصولية هو الدليل وليس أي شيء آخر.
أما في اصطلاح الفقهاء: فيعرفها الحموي في كتابه"غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم" بأنها(حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها)، ويصفها الأستاذ مصطفى الزرقا بأنها(أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها) في كتاب المدخل الفقهي العام، وفي ضوء هذه التعريفات فقد عرفها علي أحمد الندوي في كتابه "القواعد الفقهية" بأنها:(حكم شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكام ما دخل تحتها).
ثانياً_ الفرق بين القاعدة الفقهية، وكل من الضابط الفقهي، والنظرية الفقهية، والقاعدة الأصولية؟
1- القاعدة الفقهية والضابط الفقهي:
إن مجال الضابط الفقهي أضيق من مجال القاعدة الفقهية، إذ إن نطاقه لا يتعدى الموضوع الفقهي الواحد الذي يرجع إليه بعض المسائل والفروع، أما القاعدة الفقهية فتجمع فروعاً من أبواب شتّى.
وهذا الفرق نبّه عليه الأصوليون والفقهاء، فذكره البنّاني في حاشيته، وكذلك السبكي وابن نجيم والسيوطي في (أشباههم ونظائرهم)، وأشار إليه أيضاً أبو البقاء الكفوي في الكليات.
ولعلّ أول من اعتنى بعرض الضوابط الفقهية ووضع المسائل في إطارها أبو الحسن السُغْدي (461)هـ في كتابه "النتف في الفتاوى" ، وقام بعده ابن نجيم بجمع الضوابط الفقهية في كتاب مستقل، حيث جمع حوالي خمسمئة ضابط فقهي أودعها كتابه "الفوائد الزينية في فقه الحنفية".
وبعدها ألّف محمد بن عبد الله الشهير بالمكناسي(917)هـ وهوفقيه مالكي رسالة بعنوان "الكليات في الفقه" كلها ضوابط فقهية.
ولعل أحفل كتاب في هذا الباب ما ألّفه الشيخ بدر الدين محمد بن أبي بكر البكري بعنوان"الاستغناء في الفروق والاستثناء" حيث ذكر فيه ستمئة قاعدة جلها ضوابط ذات قيمة في الفقه الإسلامي.
ومثال الضابط الفقهي: ما رواه ابن عباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أيما إهاب دُبغ فقد طهر) الترمذي. فهذا الحديث يمثل ضابطاً فقهياً في موضوعه يغطي باباً مخصوصاً.
على أن هناك من الفقهاء من يذكر بعض الضوابط بعنوان"الأصل" كالدبوسي، ومنهم من يذكره تحت عنوان "القاعدة" كابن رجب الحنبلي، أو يسميه "القواعد الخاصة" كتاج الدين السبكي.
من ذلك نعلم: أنه لم يتميز الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي إلا في العصور المتأخرة، حيث أصبحت كلمة(الضابط) اصطلاحاً متداولاً لدى الفقهاء والباحثين في الفقه الإسلامي.
2- الفرق بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية:
إن الاختلاف الأساسي بينهما يتلخص في أمرين:
أحدهما: إن القاعدة الفقهية تتضمن حكماً فقهياً في ذاتها، وهذا الحكم ينتقل إلى الفروع المندرجة تحتها، فمثلاً قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) تضمنت حكماً فقهياً في كل مسألة اجتمع فيها يقين وشك، أما النظرية الفقهية فإنها لا تتضمن حكماً فقهياً في ذاتها، مثل نظرية الملك والفسخ والبطلان.
ثانيهما:إن القاعدة الفقهية لا تشتمل على أركان وشروط، أما النظرية فلا بد لها من أركان وشروط، ويمكن أن نذكر هنا مجموعة من القواعد الفقهية ذات موضوع واحد، تندرج تحت نظرية معينة وهذه القواعد هي:
- العادة محكمة.
- استعمال الناس حجة يجب العمل به.
- لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان.
- إنما تعتبر العادة إذا اطّردت أو غلبت.
- المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
- المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.
- التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
فهذه المجموعة من القواعد الفقهية بغض النظر عن الجزئيات المندرجة تحت كل منها، يمكن أن نضعها جميعاً في نظرية فقهية واحدة هي "نظرية العرف".
وعلى هذا التنسيق يمكن أن نجمع كثيراً من تلك القواعد تحت نظريات معينة، أو قواعد كبرى.
3- الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية:
إن أول من ميز بينهما الإمام شهاب الدين القرافي، فقد ذكر في مقدمة كتابه "الفروق" مايلي:(إن الشريعة المحمدية اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
الأول: أصول الفقه: و ليس فيه إلا الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك.....
والثاني: قواعد فقهية كلية، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، ولكل قاعدة في الشريعة ما لا يحصى من الفروع، ولم يذكر شيء منها في أصول الفقه....انتهى كلام القرافي
وكذلك فإن ابن تيمية يرى الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية ، باعتبار أن أصول الفقه هي الأدلة العامة خلافاً لقواعد الفقه فإنها عبارة عن الأحكام العامة."مجموع فتاوى ابن تيمية".
وعموماً فإن الفوارق الرئيسية بين المصطلحين تندرج فيما يلي:
أ - إن القواعد الأصولية موضوعها دائماً الدليل والحكم، أما القاعدة الفقهية فهي قضية أكثرية جزئياتها بعض مسائل الفقه وموضوعها دائماً فعل المكلف.
ب - القواعد الأصولية قواعد كلية تنطبق على جميع جزئياتها، أما القواعد الفقهية فهي أغلبية، يكون الحكم على أغلب الجزئيات ولها مستثنيات.
ج - القواعد الأصولية ذريعة لاستنباط الأحكام الشرعية العملية، أما القواعد الفقهية فهي مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى علة واحدة تجمعها.
د - القواعد الفقهية متأخرة في وجودها الذهني والواقعي عن الفروع، أما القواعد الأصولية فالفرض الذهني يقتضي وجودها قبل الفروع لأنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط.
هـ - القواعد الفقهية تشبه أصول الفقه من ناحية، وتخالفها من ناحية أخرى؛ أما جهة المشابهة: فهي أن كلاً منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات، وأما جهة الاختلاف: فهي أن قواعد الأصول هي عبارة عن المسائل التي تشملها أنواع من الأدلة التفصيلية يمكن استنباط التشريع منها، وأما قواعد الفقه فهي عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها أحكام الفقه نفسه، ليصل المجتهد إليها بناءً على تلك القضايا المبنية في أصول الفقه.
ثالثاً- نشأة القواعد الفقهية وتدوينها
لقد مرت القواعد الفقهية في تطورها بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: النشوء والتكوين
المرحلة الثانية: النمو والتدوين
المرحلة الثالثة: الرسوخ والتنسيق
وسنتحدث عن كل مرحلة بشيء من التفصيل.
المرحلة الأولى:(النشوء والتكوين): لقد كانت البذرة الأولى للقواعد الفقهية في عصر الرسالة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنطقه الله بجوامع الكلم، كانت أحاديثه الشريفة بمثابة القواعد العامة التي تنطوي تحتها فروع فقهية كثيرة، إلى جانب كونها مصدراً خصباً للتشريع والأحكام، ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم :(الخَراج بالضمان) و (العجماء جرحها جبار) و (لا ضرر ولا ضرار) و (البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر) وغيرها من جوامع الكلم، هذه الأحاديث أضحت عند الفقهاء قواعد ثابتة مستقلة، وجرت مجرى القواعد الفقهية، ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم:(المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم)أبو داود.
و أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم:(المنيحة مردودة، والعارية مؤداة، والدّيْن مقضي، والزعيم غارم)الترمذي. فقد قال الإمام الخطّابي (388)هـ في كتابه "غريب الحديث":(فهذان الحديثان يتضمنان عامة أحكام الأنفس والأموال). وكذلك بعض الآثار المنقولة عن الصحابة، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب كما ورد في البخاري:(قاطعوا الحقوق عند الشروط) فهذه الرواية قاعدة في باب الشروط، وأيضاً ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن علي رضي الله عنه أنه قال:(من قاسم الربح فلا ضمان عليه) فهذا القول يعد قاعدة رائعة في مجال الفقه المالي من المضاربة والشركة.
ومن النماذج المأثورة للقواعد في عصر التابعين وقبل أن تتكون المذاهب الفقهية المشهورة، ما نقل من القاضي شريح بن الحارث الكندي(76)هـ :(من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه) فهذه قاعدة تسوغ الشروط الجعلية، ويدخل تحتها مايسمى اليوم في القانون"الشرط الجزائي".
إن جميع تلك الآثار أمارات بارزة على وجود القواعد في عصر الرسالة، وعصر التابعين، وأنهم كانوا ينطقون بكلمات لا تخص قضية معينة، بل يمكن استعمالها في كثير من المواطن والكثير من المسائل والفروع.
وإذا انتقلنا إلى عصر أئمة الفقهاء، صادفنا وجود بعض هذه القواعد في المصادر الأولية الأصيلة، التي تمّ تدوينها في ذلك العصر.
ولعلّ أقدم مصدر فقهي هو كتاب"الخراج" لأبي يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم(182)فقد حوى عبارات رشيقة تتسق بموضوع القواعد من حيث الشمول، ومنها:
- التعزير إلى الإمام على قدر عظم الجرم وصغره.
- كل من مات من المسلمين لا وارث له، فماله لبيت المال.
- ليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحد إلا بحق ثابت معروف.
وكذلك ما وصل إلينا من بعض كتب الإمام محمد بن الحسن الشيباني(189)هـ، فإنه يذكر تعليلاً للمسائل في كتاب "الأصل" وهذا التعليل كثيراً ما يقوم مقام التقعيد, ومن ذلك:
- كل من له حق فهو له على حاله حتى يأتيه اليقين على خلاف ذلك.
- لا يجتمع الأجر والضمان.
- التحري يجوز في كل ما جازت فيه الضرورة.
وكذلك ما ذكره الشافعي في كتابه الذي أملاه على بعض أصحابه"الأم" فيقول مثلاً:
- الرخص لا يتعدى بها مواضعها.
- لا ينسب إلى ساكت قول قائل، ولا عمل عامل، إنما ينسب إلى كلٍّ قوله وعمله.
- يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها.
- إذا ضاق الأمر اتسع.
وأيضاً ما روي عن أحمد بن حنبل، وأوردها أبو داود في كتاب"المسائل" قوله:
- كل ما جاز فيه البيع تجوز فيه الهبة والصدقة والرهن.
ومما تقدم نقول: إنه بناءً على هذه النماذج المأثورة، فقد كانت اللبنة الأولى للقواعد الفقهية في غضون القرون الثلاثة الأولى، وإن لم يتسع نطاقها، لكنها تبلورت في أذهان هؤلاء.
المرحلة الثانية: (النموّ والتدوين): لقد كانت بداية القواعد الفقهية باعتبارها فناً مستقلاً، إبّان القرن الرابع الهجري، ولعلّ أقدم جمع للقواعد الفقهية مصوغة بصيغتها الفقهية المأثورة، ما قام به الإمام أبو طاهر الدباس من فقهاء الحنفية في القرن الرابع الهجري، وهذا ما أكده "الإمام العلائي الشافعي (761)هـ والإمام السيوطي (911)هـ والإمام ابن نجيم (970)هـ" وقد جمع الدباس أهم قواعد مذهب أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة كلية، وكان ضريراً يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد انصراف الناس، وذكروا أن أبا سعد الهروي الشافعي قد رحل إليه ونقل عنه بعضها. ومن هذه القواعد:
- الأمور بمقاصدها
- اليقين لا يزول بالشك.
- المشقة تجلب التيسير.
- الضرر يزال.
- العادة محكّمة.
وبعده جاء الإمام الكرخي (340)هـ وهو من أقران الدباس، فاقتبس منه بعض القواعد وضمّنها رسالته المشهورة التي تحتوي على سبع وثلاثين قاعدة، وتُعدّ هذه الرسالة النواة الأولى للتأليف في هذا الفن.
ثمّ تبعه الإمام محمد بن الحارث الخُشني المالكي(361)هـ وألف كتابه "أصول الفتيا" وتناول فيه طائفة كبيرة من القواعد.
وفي بدايات القرن الخامس الهجري أضاف أبو زيد الدبوسي (430)هـ إلى مجموعة الكرخي إضافات قيّمة في كتابه الشهير"تأسيس النظر".
وفي القرن السابع الهجري ألف محمد بن إبراهيم الجاجرمي السهلكي(613)هـ كتاباً بعنوان" القواعد في فروع الشافعية"، وكذلك كتب العز بن عبد السلام(660)هـ كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"، وأيضاً كتب محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي (685)هـ كتاباً بعنوان"المُذهَب في ضبط قواعد المَذهب".
ثم جاء القرن الثامن الهجري وفيه ازدهر تدوين القواعد الفقهية، ونما التأليف فيها. وأشهر المؤلفات في ذلك القرن:
1- الأشباه والنظائر: لابن الوكيل الشافعي(716)هـ.
2- كتاب القواعد: للمقرّي المالكي(758)هـ.
3- المجموع المذهب في ضبط قواعد المذهب: للعلائي الشافعي (761)هـ.
4- الأشباه والنظائر: لتاج الدين السبكي(771)هـ.
5- الأشباه والنظائر: لجمال الدين الإسنوي(772)هـ.
6- المنثور في القواعد: لبدر الدين الزركشي(794)هـ.
7- القواعد في الفقه: لابن رجب الحنبلي(795)هـ.
8- القواعد في الفروع: لعلي بن عثمان الغزي(799)هـ.
وفي القرن التاسع الهجري ظهرت بعض المؤلفات على غرار منهج سابقتها، ومنها:
1- أسنى المقاصد في تحرير القواعد: لمحمد بن محمد الزبيري (808)هـ.
2- القواعد المنظومة: لابن الهائم المقدسي(815)هـ.
3- كتاب القواعد: لتقي الدين الحصني(829)هـ.
4- نظم الذخائر في الأشباه والنظائر: لعبد الرحمن بن علي المقدسي المعروف بـ"شُقَيْر"(876)هـ.
5- القواعد والضوابط: لابن عبد الهادي(880)هـ.
وفي القرن العاشر الهجري رقي النشاط التدويني لهذا العلم، حيث قام الإما السيوطي(911)هـ باستخلاص أهم القواعد الفقهية التي دوّنها العلائي والسبكي والزركشي في كتبهم، وجمعها في كتابه "الأشباه والنظائر"، كما قام أبو الحسن الزقّاق التجيبي المالكي (912)هـ بنظم القواعد وإفرازها، وكذلك ألّف ابن نجيم الحنفي (970)هـ على طراز ابن السبكي والسيوطي كتابه "الأشباه والنظائر" ونال هذا الكتاب شهرة واسعة شرحاً وتدريساً.
المرحلة الثالثة: (الرسوخ والتنسيق):
إن القواعد الفقهية على الرغم من تلك الجهود الكثيرة، ظلت متفرقة في مدونات مختلفة، ولم يستقر أمرها تماماً، إلى أن وُضعت "مجلة الأحكام العدلية" على أيدي لجنة من فقهاء الدولة العثمانية، في عهد السلطان عبد العزيز خان العثماني، في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، ليُعمل بها في المحاكم التي أُنشئت في ذلك العهد، ولقد تم اختيارها وتنسيقها تنسيقاً قانونياً رائعاً بأوجز العبارات، حتى اشتهر ذكر القواعد وشاع أمرها عن طريق المجلة، وشُرحت مع شروح المجلة، وأصبح لها صدىً في كافة المجالات الفقهية والقانونية.
رابعاً- القواعد الفقهية والاستدلال بها.
إن دراسة القواعد الفقهية هي من قبيل الفقه، وليست من قبيل أصول الفقه، لذلك نقول:
- إن هذه القواعد كان لها دور ملحوظ في تيسير الفقه، ولمِّ شعثه، ولولا هذه القواعد لبقيت الأحكام مشتتة.
- إن دراستها تساعد على الحفظ والضبط للمسائل الكثيرة المتناظرة.
- إنها تربي في الباحث الملكة الفقهية، وتجعله قادراً على الإلحاق والتخريج.
- تيسر للباحث تتبع جزئيات الأحكام، واستخراجها من موضوعاتها المختلفة.
إذا عرفنا هذا؛ فإن ثمة تساؤلاً يتراءى لنا ومفاده:
هل تُعتبر القاعدة الفقهية دليلاً من أدلة الشرع يصح أن نحتجّ به؟ ويمكن أن نستنبط منه الأحكام؟
إن الجواب عن ذلك يحتاج إلى شيءٍ من التفصيل كما يلي:
أ - القواعد التي تعبّر عن دليل أصولي، أو هي حديث ثابت مستقل مثل(لا ضرر ولا ضرار) و (الخراج بالضمان) و (البينة على المدّعي واليمين على من أنكر) فيمكن الاستناد إليها في استنباط الأحكام، وإصدار الفتوى وإلزام القضاء بناءً عليها، لأن الأصل أو الدليل هو الحديث وليست القاعدة نفسها.
ب - أما القواعد باعتبارها قواعد فقهية، لا تصلح أن تكون دليلاً يُحتجّ به، ولا يصح الرجوع إليها كأدلة قضائية وحيدة، إذ ليس من المعقول أن يُجعل ما هو جامع ورابط للفروع دليلاً من أدلة الشرع.وهذا ما أشار إليه إمام الحرمين الجويني في كتابه "الغياثي" عند إيراد قاعدتي الإباحة وبراءة الذمة، فقال:( وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح......ولست أقصد الاستدلال بهما). وكذلك ما نقله الحموي عن "الفوائد الزينية" لابن نجيم:(أنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط، لأنها ليست كلية بل أغلبية..). وأيضاً ما أورده علي حيدر في كتابه "درر الحكام شرح مجلة الأحكام" حيث قال:(فحكام الشرع مالم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد). وبناءً عليه: فالقواعد الفقهية ليست أدلة، وإنما هي شواهد يُستأنس بها في تخريج أحكام القضايا الجديدة على المسائل الفقهية المدونة.
ج - إن ما قررناه من عدم جواز استناد القاضي أو المفتي إلى إحدى القواعد وحدها، إنما محله فيما يوجد فيه نص فقهي يمكن الاستناد إليه، أما ماليس فيه نص فقهي أصلاً لعدم تعرض الفقهاء إليه، فيمكن عندئذٍ استناد الفتوى والقضاء إلى القاعدة الفقهية وحيدة كدليل قضائي أوفقهي.
خامساً- المؤلفات في القواعد الفقهية(حسب الترتيب الزمني الهجري للمذاهب الأربعة)
|
مذهب الحنفية |
المؤلف |
مذهب المالكية |
المؤلف |
|
أصول الكرخي |
أبوالحسن الكرخي
(340) |
أصول الفتيا في الفقه على مذهب الإمام مالك |
الخُشني(361) |
|
تأسيس النظر |
أبو زيد الدبوسي
(430) |
الفروق |
القرافي(684) |
|
الأشباه والنظائر |
ابن نجيم(970) |
القواعد |
المقري المالكي
(758) |
|
"خاتمة" مجامع الحقائق |
أبو سعيد الخادمي
(1176) |
إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك |
الونشريسي(914) |
|
قواعد "مجلة الأحكام العدلية" |
لجنة من علماء الدولة العثمانية |
الإسعاف بالطلب مختصر شرح المنهج المنتخب على قواعد المذهب |
التواني |
|
الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية |
ابن حمزة الحسيني
(1305) |
|
|
قواعد الفقه |
المجدّدي |
|
مذهب الشافعية |
المؤلف |
مذهب الحنابلة |
المؤلف |
|
قواعد الأحكام في مصالح الأنام |
العز بن عبد السلام
(660) |
القواعد النورانية الفقهية |
ابن تيمية(728) |
|
الأشباه والنظائر |
ابن الوكيل الشافعي
(716) |
القواعد الفقهية |
ابن قاضي الجبل
(771) |
|
المجموع المذْهَب في قواعد المذهب |
أبو سعيد العلائي
(761) |
تقرير القواعد وتحرير الفوائد |
ابن رجب الحنبلي
(795) |
|
مختصر قواعد العلائي |
الصرخدي(792) |
القواعد الكلية والضوابط
الفقهية |
ابن عبد الهادي
(909) |
|
الأشباه والنظائر |
تاج الدين بن السبكي
(771) |
"قواعد" مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل |
أحمد بن عبد الله القاري الحنفي
(1359) |
|
المنثور في ترتيب القواعد الفقهية |
الزركشي(794) |
|
|
|
شرح قواعد الزركشي |
سراج الدين العبادي
(947) |
|
|
|
الأشباه والنظائر |
ابن الملقن(804) |
|
|
|
القواعد |
أبو بكر الحصني الشافعي(829) |
|
|
|
الأشباه والنظائر |
السيوطي(911) |
|
|
|
الاستغناء في الفروق والاستثناء |
بدر الدين البكري |
|
|
أ. محمد بركات |